تأملات في فن الشعر

شي تشوان

1

عدا أن يُعبِّر الشعر عن العاطفة، فإنه في جوهره يعكس طريقة تفكير، وبصقلها، سيكون بوسعك اكتشاف عالم جديد في كل أمر تفعله، وسينتابك شعور بأنك تنحرف قليلاً عن المسار المألوف. وتكمن المسألة في أنَّ بعض الأشخاص يرحبون بالانحراف عن المسار، في حين لا يرغب آخرون في ذلك، ويسعون إلى العيش الآمن وطمأنينة التفكير. وسيكتشف من يهتم بالشعر حقاً، أنَّ ثمة مواضع غير آمنة في عيشه، وأن الشعر، كذلك، به بعض المواضع غير الآمنة.

ولأضرب مثالاً بسيطاً: يُفضِّل الناس السياحة، في حين يفضل الشعراء الترحال. وتعني السياحة التمشية في المتنزه، حيث الإجابات موجودة سلفاً والتجهيزات قائمة. أمَّا في الترحالِ مواجهةُ المجهول بما يحمله من أفخاخ ومخاطر. ولذلك إذا رغب المرء في الترحال، عليه أن يهيئ نفسه للمغامرة، وإلَا فليذهب إلى المتنزه إن أراد السياحة، وسيبدو أنه يكتسب معرفة جديدة، لكنه في الحقيقة لا يفعل، لأن بمقدروه تخيل ما يراه من مشاهد، ثم سيتخذ له موقعاً في هذا الفضاء الذي يستطيع تخيله ويلتقط صورة. قال الشاعر خاي زي جملة في الماضي: “ينشغلُ الكثير من الناس بـ “أناه” في الطبيعة، أمَّا أنا فأحب الطبيعة ذاتها”. يا لها من عبارةٍ رائعة! ينطبق الأمر هنا أيضاً، تفضِّلُ السياحة أم الترحال، القرار لك. إذا اخترت السياحة، فلا نصيحة لدي لك، وإذا اخترت الترحال، فلتستعد لمواجهة المخاطر والمجهول.

2

قال لي أصدقائي في الوسط الأكاديمي بكل وضوح: “هل تعرف لماذا نحجم عن قراءة الشعر المعاصر؟ لأننا لم نعثر على نقد جيد له”. من كان بوسعه أن يفهم باول تسيلان؟ ومع ذلك ألَّف عالم الهرمنيوطيقا الشهير غادامير كتاباً لتفسير شعره، وتناول هايدغر تفسير هولدرلين والرسام فان غوخ أيضاً. من كان يظن، حين كان فان غوخ على قيد الحياة، أنه فنان عظيم؟
مسألةُ الشعر لا تخص الشعر وحده، بل تشمل منظومة الثقافة، ولذلك حالة الشعر اليوم لم يتسبب بها الشعر بذاته، بل هو انعكاس لمنظومة الثقافة برمتها؛ مسألة تعليمك، تفكيرك، أفقك الثقافي، هل ثمة قوة إبداعية في المجتمع، هل بوسعك أن تختبر نوعاً ما من روحِ العصر، كل هذه الأمور مترابطة، ولذلك نقد الشعر بمعزل عن ذلك لا معنى له.
وبالمنطق ذاته، حين نقرأ الشعر الكلاسيكي – لأنني شاعر وعليَّ أن أتساءل عن الطريقة التي تشكَّلت بها القصيدة الكلاسيكية – علينا أن نعلم أنَّ واحداً من القراءات الأساسية لشعراء أسرة تانغ هو كتاب “وين شيوان”، الذي لم يكن شعراً، بل نثراً مسجوعاً، وقد تغذَّى شعرهم من مصادر كثيرةٍ ليست شعراً. ما أقصده أنكَّ إذا قرأت شعر أسرة تانغ أو شعر أسرة سونغ، فلن تستطيع الاقتراب من جوهرهما، إذ عليك أن تقرأ كذلك كتاب الأغاني، وأناشيد تشو، وفكر المذاهب والمدارس الفلسفية القديمة، والسجلات التاريخية الصينية الأربعة والعشرين، والهان فو: القصيدة المنثورة في عهد أسرة هان، وأدب “جيان آن” حتى تكون مُلمِّاً بالخلفية الثقافية لشعر أسرة تانغ. تماماً كما أتحدث عن الشعر الصيني المعاصر: لا يقتصر الأمر على الشعر المعاصر وحده، إذ لن نستطيع الحديث عن الشعر المعاصر ولن يكون هناك شعر معاصر جيد من دون سينما جيدة ورقص وفن معاصر مميزين.

3

إن البنية الروحية لكل شخص ونظرته إلى العالم ليست متشابهة. قلت من قبل إنني شاعر بنسبة 50%، وعدا كتابة الشعر، فإنني أترجم أيضاً، وباحث في الأدب الصيني الكلاسيكي والفن الصيني الكلاسيكي، وأخرج أفلاماً وثائقية وأكتب مقالاتٍ نقدية تتناول الأدب والثقافة. يحمل نقدي طابعاً تأملياً وفكرياً، ونادراً ما أذكر وقائع بعينها أو أسماء عند تناول قضايا تتعلق بالأدب أو الشعر المعاصرين. وإذا عدَّ القارئ هذا التجاهل نوعاً من الغرور، فلا اعتراض لي. لا أحد يعلم الدور الذي وُلد ليؤديه، ومن هنا جاءت محاولتي لتجاوز الحدود بين أشكال التعبير.
للنقد دلالة مميزة بالنسبة إلى ما أكتبه. قال الشاعر الفرنسي بول فاليري في أوائل القرن العشرين، للشعر الحديث سمةٌ، هي إدخال النقد في صميم عملية كتابة الشعر. ولذلك فإنني لا أشعر أنَّ ثمة ما هو غير منسجم حين انتقالي بين كتابة الشعر وبين كتابة النقد. بوسعي أن أستخدم عناصر خاصة بالنقد في كتابة الشعر، وأن أستخدم عناصر خاصة بالشعر في النقد، لكنِّي أحذر من الكتابة النقدية الانطباعية التي تحمل نبرة عاطفية، وأحرص على أن تتسم كتاباتي النقدية بشيء من الطابع الأكاديمي الأصيل، وأن تكون رصينة وتحتوي على قدرٍ كافٍ من المعلومات، وأرى أنَّ النقد الانطباعي المحمَّل بالمشاعر هو قصور في النقد ذاته.
سألني أحد الأصدقاء ما إذا كان النقد التأمل يعوقاني عن كتابة الشعر. وأجبتُه قائلاً: اقرأ شعري! بالطبع لو اعتمد على قراءة شعري على الذائقة الأدبية للأدب الرومانسي الغربي والروسي في القرن التاسع عشر، أو ذائقة الشباب المهتمِّين بالأدب في الصين في ثلاثينيات القرن الماضي، أو على الذائقة الأدبية لفترة الخمسينيات حتى السبعينيات، أو باهتمام خالص لشعر أسرتَي تانغ وسونغ، سيشعر بلا شك بالحيرة حيال ما يقرؤه ولن يستطيع فهمه، وقد يصل به الأمر إلى الشعور بالغضب أو ازدراء نصوصي.
أتاحت لي كتابة الشعر فرصة اكتشاف العالم والشعور به، وتنظيم ذاتي وضبطها، ومقارنة نفسي بالآخرين ضمن تجربة الشعر، وقد نقلتُ كلّ هذه الأمور إلى عملي النقدي. فأحياناً تأخذ مقالاتي طابعاً تأملياً. وما يُعرف “بالمقالة التأملية” لم تكن قط كتابة عشوائية، إذ إنَّ المقالة التأملية بالمعنى الدقيق ليس مجرد نص قصير بسيط.

4

إن نظرتي إلى “الشاعرية” تشمل جوانب كثيرة، فالشاعرية التي أفهمها تختلف عن مفهوم الشاعرية الجاهز، والثابت، والتقليدي، وأحادي البُعد والأنيق كما يراه الكثيرون. لم يكن لدى الصينيين القدماء الكثير من الأفكار الجاهزة عن الشعر فحسب، بل إنَّ شعراء مثل ليو شييه، وجونغ رونغ، ولو جي، وسي كونغتو، ويان يو وغيرهم قد قدَّموا أيضاً آراءً فارقة ومؤثرة في زمنهم. فقد ذكر الشاعر “سي كونغتو” من أسرة تانغ في كتابه (أربعة وعشرون نمطاً للشعر) أنماطاً مثل: المهابة والشمول، الشفافية والصفاء، الرقة والغِنى، الثبات والرصانة، العتيق، الأنيق الكلاسيكي، المصقول، القوة، الجمال المتقن، والطابع الطبيعي. وقد شكَّل هذا التصنيف والتقسيم وعينا الشعري، وطريقة إدراكنا للعالم، والتعبير عن الذات، وحتى طريقة تعبيرنا عن فهمنا وإدراكنا للا ذات. لكن عليَّ القول إنه اليوم، وفي ظل هذه الظروف الاجتماعية والتاريخية، قد تحد هذه الأنماط من اتساع تجربتنا الإبداعية. وعلى الرغم من درايتي بالشعر الكلاسيكي وحساسيتي تجاهه، فإنني لست ممَّن يعترفون به فقط، فالشاعرية تعني لي هي إمكانية أن يولد الشيء من جديد. في رأيي، وفي بعض الأحيان، يمكن أن ينطوي شيءٌ قاسٍ على شاعرية، وأن يحمل الشيء المتهالك شاعرية، بل وقد يكتسب القبيح شاعرية أيضاً، بالطبع، أي شيءٌ جميل يشع من ذاته شاعرية ساحرة.
حين أتمكَّن من الكتابة في صلة مباشرة بالعالم الواقعي والحي (وليس العالم الموجود ضمن القوالب الجامدة، أو الأمثال المتداولة، أو الشعر الكلاسيكي، أو المفاهيم الجاهزة)، لا أعود بحاجة إلى البحث خصيصاً عن “الشاعرية” (التي ستكون غالباً في هذه الحالة شاعرية مستعارة). الشاعريةُ ماثلةٌ في كل مكان. وفي فهمي، تحمل الشاعرية عنصر التهكم والوعي باللحظة الراهنة. سأضرب لكم مثالاً: زرتُ ذات مرة مزرعة محمية في كاي لي بمقاطعة قويتشو، ورأيت فوق بوابة المزرعة، كلمتان مكتوبتان بالإسمنت: “البيت السعيد”، ولكن هناك يافطة خشبية عند مدخل الباب: “ممنوع الدخول”، فتفوهت دون تفكير: «ممنوع الدخول إلى البيت السعيد!» ابتهج جميع زملائي وقالوا : هذه هي الشاعرية التهكمية.

5

حين أنظر إلى أعمالي قبل ما يزيد على عشرين عاماً، أرى أنَّ فهمي للشعر وقتها كان في مرحلة بدائية، رغم أنني كنت قد بدأت تغيير أسلوبي في الكتابة من أسلوبٍ أنيق، متحفظ، صارم، رمزي، متعالٍ عن الواقع، يتسم بانضباطٍ نسبي في الشكل، إلى أسلوب كتابةٍ أكثر حرية، فيه شيءٌ من العفوية، ويتَّسع للشوائب، وللفكر، والتاريخ، والمفارقات، والسخرية، والفكاهة، غير أنَّ هذا التحوُّل تجلَّى في بدايته أساساً في قصائدي الطويلة، ولم يظهر بصورةٍ واضحة في قصائدي القصيرةِ آنذاك. بعبارة أخرى، لم أكن حينها أملك تصوراً واضحاً حول كيفية استيعاب القصيدة القصيرة للحياة المعاصرة. على مدى مسيرتي الإبداعية، لم تُشكِّل كتابة القصائد القصيرة سوى نحو خُمسِ جهدي، في حين ذهبت الأخماس الأربع الباقية من جهدي إلى كتابة القصائد الطويلة، والمقالات، والترجمة، ودراسة الشعر الصيني القديم والفنون التشكيلية، كما أنَّني شاركت أيضاً في العديد من المشاريع التي تجمع بين أشكال فنية مختلفة.
أقرأ على الانترنت آراءً مثل: إنَّ شعر شي تشوان يزداد سوءاً! أو إن شي تشوان يتراجع بسرعة! لكن تقييمي لنفسي: لحسن الحظ أنَّني غيَّرتُ أسلوبي في الكتابة، وإلّا لكنت شخصاً منقطعاً عن تطوّر الشعر والفكر. إنَّ الحيرة، والضيق، والاكتشاف والابتكار هي التي دفعتني إلى ما أنا عليه الآن، وفهمي للشعر اليوم يختلف عن الثمانينات أو بداية التسعينيات اختلافاً هائلاً. السبب الذي جعلني أكتب على هذا النحو اليوم ليس تبريرا فكرياً لنفسي، ولا مجاراة للأذواق الشائعة.
كما قرأتُ على الإنترنت نقداً آخر وجهه إليَّ شخص استناداً إلى قراءة شعري، إذ رأى أنَّني شاعر متأثر بالغرب. بوصفي مؤلِّف (كيف نقرأ شعر أسرة تانغ) و(أسرة سونغ الشمالية: اليوتوبيا في لوحات المناظر الطبيعية)، لا أرغب في تقديم ردٍّ مفصَّل عن ذلك. وجهة نظري تجاه الشعر ليست ثابتة. كما يمكننا توسيع مسألة الثقافة الصينية والغربية لتشمل التالي: لا يمكننا أن نطلق جزافاً على شيءٍ لا نعرفه “شيء غريب” أو “أجنبي”، لأنه من المحتمل ألَّا يوجد مثل هذا الشيء في بلد آخر أساساً. هل نفتقر إلى الثقة في أصالة أعمالنا الإبداعية إلى هذه الدرجة؟ أليست حياتنا فريدة بما يكفي في هذا العالم؟ ألا تتطلب هذه الحياة الفريدة لغة وفناً تتناغم معها حقاً؟

6


لا أسعى إلى الاستكشاف فحسب، بل أحثُّ الشباب أيضاً على خوض هذه الرحلة. في مهرجان “الشعر الموازي 2022” الذي أُقيم في تشانغشا، اقترحت عليهم تخصيص فقرة بعنوان poetry slam، أي “إلقاء الشعر على الملأ”. وكنت قد شجعت منذ عدة سنوات مخرجي المسرح الشباب الذين أعرفهم، والآن تحقق ذلك. هذا النشاط شائع بين الشباب في الخارج، وأصبح إلقاء الشعر نوعاً من الأداء. نحن الصينيون نحب الشعر المصحوب بالموسيقى، لكن الـ poetry slam تعني إلقاء الشعر على الملأ، ولا يُسمح بالموسيقى، بل يُسمح لك باستغلال كل إمكانيات لغتك: يمكنك أن تدق بقدمك أو تقفز، لكن لا يُسمح لك بالعزف على أي آلة موسيقية.


حين ألقي الشعر، أعرف أي قصائد تناسب الإلقاء. لأن ما يُسمع مباشرة يمر سريعاً عبر أذن المستمع، لذلك على القصائد أن تكون واضحة وبسيطة، وتملك إيقاعاً موسيقياً أقوى. غالبا ما أحتاج إلى مراعاة تأثير الأداء المباشر، ويجب ألَّا تكون سطور القصيدة طويلة، وإذا كانت طويلة فلا يجب أن تكون طويلة جداً. إذن لا بد أن تحتوي القصيدة على عدة لمحات شعرية يمكن للجميع التقاطها. بالطبع، سأختار القصيدة حسب طبيعة الإلقاء: سأختار نوعاً محدداً من القصائد إذا كان الإلقاء أمام مئات الأشخاص، وإذا كان الحضور قليلاً، فقد أقرأ قصائد قصيرة جداً. أمَّا إذا كان الإلقاء في منطقة 798 للفنون، سيكون الجمهور من المهتمين بالفن المعاصر، حينها سأتمكن من إلقاء قصيدتي الطويلة “أن تُزهر”، وستُحفَّز مشاعرهم. أما إذا كان الإلقاء في مكان عام ويأتي الناس للاستماع، فسأقرأ بالتأكيد قصيدة قصيرة جداً ذات إيقاع قوي، ليدركوا أنَّها شعر، وتنقضي بمجرد سماعها.
حين إلقاء الشعر، لا أراعي الجمهور فحسب، بل أيضاً من سيلقي الشعر قبلي وبعدي. إذا كان الشاعر قبلي يقرأ بحماس شديد، سألقي قصيدتي بنغمة هادئة. تماماً مثلما تتطلب الكتابة بنية، يجب أن يكون للإلقاء بنية. سبق أن ألقيت الشعر مستنداً إلى لافتة موقف الحافلة، ولي صديق مغنٍ أقام خلال الجائحة حفلة في سور الصين العظيم – بادالينغ ببكين بلا جمهور، وغنَّى للجبال فقط. بل وخطرت ببالي فكرة مجنونة، وهي أن أُلقي الشعر للحشرات والطيور، أو حتى أن أقرأه لنفسي فقط.





شي تشوان: شاعر صيني معاصر ومترجم، وُلد العام 1963 في مقاطعة جيانغسو. تخرج في جامعة بكين قسم اللغة الإنجليزية العام 1985. باحث زائر في جامعة آيوا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2002 ويعتبر واحداً من أهم الشعراء الصينيين المعاصرين. ترجمت أعماله إلى لغات عدة، وصدرت له مختارات بعنوان “معابد معتمة”، عن دار مسعى العام 2018.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *