
دليلٌ للاعتذار
دا تو ما
لا تكمن المسألة في الحواجز النفسية التي ينبغي التغلب عليها، والتفاصيل التي ينبغي استيعابها، إنَّما في الإدراك الصحيح لذلك الشعور بالانتصار الذي يفيض في النفس، حين يتقبل الآخر ما كان يرفضه سابقاً. وسواء تقبَّل الطرف الآخر الاعتذار أم لا، فإنَّ فعل الاعتذار يمنح صاحبه، على ما يبدو، زمام السيطرة؛ بمجرد تفعيل فرامل الطوارئ، فلا بأس لو تعذر على القطار التوقف، إذ سيُعدّ ما حدث كارثة طبيعية خارج سيطرة البشر.
المُعتذر، ذلك المتربص، محترفُ الابتسامة الماكرة، الذي يترقب نظرة من الآلهة.
كل ما عدا ذلك ليس إلَّا محاكاة لا تنطوي على تعقيد، ومعرفة الطرف الآخر هي الخطوة الأولى: نمط حياته، صدمات الطفولة، علاقته بأسرته، ما إذا كان قد مرَّ بتجارب نفسية أليمة، وحتى درجة اهتمامه بالحيوانات. الطعام مهم أيضاً، إذ سيكون معياراً أساسياً لاختيار مكان الاعتذار.
ينبغي أن يُقدَّم الاعتذار في طقسٍ رطب. إذا كنت لسوء الحظ تعيش في صحراء أتكاما، انتبه من فضلك أَلَّا تقدم اعتذاراً بالغ التعقيد، فتتعرض أنت وأصدقاؤك لجفاف غير ضروري. كتب أحدهم يعيش في منطقة جبل “وياليل” رسالة يشكو من أنَّ هذا الطقس المثالي للاعتذار قد أدَّى على نحو عكسي إلى ازدياد الحوادث المؤسفة. كتب على سبيل المثال: “كل الوثائق المهمة نفدت! هذه المرة الثلاثون هذا الشهر! هل تصدق ذلك؟!” تبدو شوارع المدينة وأزقتها في المطر الغزير كأنَّها مسرحٌ لمواجهةٍ صامتة تندلع في كل متر تقريباً. ولأنَّ عدداً قليلاً من الناس يحمل المظلات، وهو ما يُعدُّ بلا ريب علامة على فشل الاعتذار، فإنَّ السماء تبقى مرئية. وإذا مرَّ بهذه المنطقة شخص محلِّقاً بالمنطاد، سيرى المدينة ساكنة كخشبة مسرح تغمرها إضاءة ناعمة، ولا يُسمع إلَّا وقع المطر على وجهَيْ المعتذِر والمعتذَر إليه وأكتافهما وأحذيتهما. وعلى الرغم من غياب الإضاءة المركَّزَة، فإنَّ كلَّاً منهما على يقين بأنَّه البطل. ليست هذه الإطلالة الوحيدة، وليست الأفضل أيضاً. فكل من تطأ قدماه هذه المدينة للمرة الأولى، سيرى عند أطرافها هذا المشهد: كل نافذة في المباني هي لوحة من لوحات إدوارد هوبر. أرأيت؟ ليس كل شخص يملك الشجاعة للاعتذار في العلن، عدا أولئك المثقلين بالشعور بالذنب ولم يفقدوا شغف الاكتشاف، وهو ما يعني أيضاً أنَّ الشباب الاستعراضيين سيغيرون عصابات الرأس في الشوارع.
وهكذا تحوَّل هذا الطقس اليومي العفوي للاعتذار في الشوارع إلى واحد من أبرز المعالم الثقافية في هذه المنطقة، وحققت الحكومة عائدات سياحية كبيرة دون عناء، واستثمرتها في تحسين ظروف السكن والتنقل للسكان. سمعنا لاحقاً ـــ وإن لم يكن ذلك دقيقاً بالضرورة ـــ أنَّ مشروعاً من مشاريع تجديد نظام تصريف المياه على أسطح المباني الشاهقة أدَّى على نحو غير متوقع إلى انخفاض حاد في معدل هطول الأمطار في المنطقة. وهكذا تلاشى تدريجياً مشهد الاعتذار الاستعراضي الصاخب شيئاً فشيئاً، وعادت حياة الناس إلى مسارها، أو بالأحرى لعلَّها المرة الأولى التي تسير فيها على نحوٍ سليم. انشغل خبراء معهد أبحاث المناخ، كلٌّ على حِدَة وبصمت، ببحثٍ أشبه بالهوس لكلِّ متغير في مشروع تجديد نظام تصريف المياه، وحاولوا معرفة السبب الذي أنهى أخيراً أزمة هذا المكان المزمنة مع الأمطار. “ليست إلَّا حقيقة علمية بديهية”، أرسل ذاك المتذمر رسالة أخرى. “إنَّه قانون حفظ الطاقة”، صرَّح بصرامة كأنَّما يطرق الحديد. كما أرفق مع رسالته صوراً وقال: “المسافة بيننا وبين هذا المكان لا تتجاوز كيلومتراً واحداً، هل تصدق ذلك؟” ثم أسهب في وصف تلك المدينة التي تكاد تطابق منطقة جبل “وياليل”، وقد كدنا نظن أنَّها سراب.
لكنَّه قال جازماً، إنَّ الناس هناك يؤدون طقوس الاعتذار في الشوارع كلَّ يوم بسبب الأمطار الغزيرة، كأنَّ حيل الفراشات تعيد تمثيل كلَّ ما حدث سابقاً في جبل “وياليل”، حيث هناك تهبُّ الرياح المحملةُ بالرمال بشكل متساو، وتهدأ على نحو غير مألوف: هي مدينة حقيقية. كان من الممكن أن نستخرج بعض الأدلة من الصور، غير أنَّ زمناً طويلاً كان قد مضى على التقاطها، وحين فتحنا الرسالة، كانت الأوراق قد جفَّت إلى درجة أنَّها تبددت كالغبار بمجرد أن قرأناها مرة واحدة، وبهتت الصور وتلاشت ألوانها حتى غدت فراغاً أبيض.
إذا كنت لا تقيم في المكانين المذكورين أعلاه، أعتذر، لعلها ثلاثة أماكن، عليك أن تحرص على حمل النمل معك أحياناً.
من الأفضل ألَّا ترتدي قميصاً ذا ياقة عالية عند الاعتذار، فهذا من شأنه أن يخفي الذقن المزدوج الذي تكشفه الأنفاس لحظة أداء الطقس، وهذه تفصيلة يسهل إغفالها. اكتشف عالم النفس الألماني الشهير فيلهلم فونت، لأول مرة أثناء تدريسه في جامعة هايدلبرغ، الدور الحاسم الذي يؤديه الذقن المزدوج في إثارة التعاطف لدى البشر.
أمَّا أولئك المتمرّسون، الذين يتقنون استخدام أدوات التجميل لإضفاء مظهر ذقنٍ مزدوج لافت للنظر، فيقع الآخرون سريعاً تحت وطأة تعاطفٍ جارف معهم ويسارعون إلى مسامحتهم. فبمجرد إتقان كيفية صنع تباين مناسب بين الإضاءات والظلال المناسبة حول الفك السفلي، يصبح بمقدور أي شخص أن يصنع هذا التأثير. لكنَّ هذا السر المتعلق بالذقن المزدوج ربما جرى التكتُّم عليه لدوافع خفية، وظل يتناقل سراً بين عدد قليل من النخبة. إذا أمعنتَ النظر في الصور التاريخية التي تجمع بين رؤساء الدول المهزومة ورؤساء الدول المنتصرة، فقد تكتشف شيئاً ما.
يلجأ كثيرون إلى بعض الإيماءات عند الاعتذار؛ قد يضم الشخص كفيه، أو يربِّت على مؤخرة رأسه، أو يطيل الركوع أو يتشبث بطرف ملابس الآخر. والواقع أنَّ ذلك لا يفيد في شيء، إذ تكاد هذه الأساليب جميعها تعجز عن نيل عفو الطرف الآخر، فقد أساؤوا تماماً إدراكَ أنَّ هدف الاعتذار ليس الحصول على التعاطف أو الغفران أو التقدير، إنَّما هي حالةٌ من التوافق أو الوهم، ينتهي فيها الطرفان إلى تواصلٍ عميقٍ يمسُّ الروح. ورغم أنَّ الأثر الذي يتولد في تلك اللحظة القصيرة لا يدوم طويلاً في زمننا هذا وسرعان ما يزول، فإنَّه مثل الكثير من اللذات العابرة، يكفي ليقع المرء في أسره. لذا، ووفقاً لما تفرضه الاتفاقيات المعنية، يتعين علينا تحذير الجميع من أنَّ الاعتذار مُضر بالصحة.
يجب أن ينتهي أي اعتذار ناجح بعبارتيّ: “أنا حقَّاً أحبك” و”وأنا أيضاً أحبك”. أمَّا إذا كان بين حبيبين عازمين على الفراق، فلا بأس بتجاهله. نلاحظ أنَّ الاعتذارات باتت تُقدَّم لأكثر من شخصين، بل وأحياناً لمجموعات كبيرة، حينها، يُفضَّلُ استخدامُ مُكبِّرِ الصوت.

دا تو ما: اسمها الحقيقي “وانغ يي شين”، من مواليد 1989، نشرت أعمالها في دوريات أدبية في الصين مثل “مجلة الحصاد” ومجلة “الرواية” وغيرها. صدرت مجموعات قصصية وروايات قصيرة منها: “تسع حكايات”، “اغتيال التلفزيون” و”لعبة الملك”. و”دليل الاعتذار” نص كتب ضمن روشة كتابة، وصدر في مجموعة بعنوان “دليل كتابة روايات ليست من الأكثر مبيعاً”. واشتهرت دا تو ما بأسلوبها القائم على العبث والسخرية وتقنيات القص الما ورائي (Meta-fiction).
اترك تعليقاً