متحف الغبار: لا شيء غير الماضي هنا

قصيدتان للشاعر الصيني

ليو لي غان

متحف الغبار

الباغودات المُذهَّبة، الرهبانُ والراهباتُ البوذيون حاملو المظلات
الرجال والنساء المنغمسون في لهو الربيع
لا يزالون يبحثون عن قوةٍ سحريةٍ تعيدُ الحياة: لا شيءَ غيرَ الماضي هنا
مثل كعكة أرز متقنةِ الصنع
تحملُ نكهة نبيذ حلو ممزوج بمياهِ القناة
تتناولُها باستمتاعٍ رغم هشاشةِ أسنانِك
أمَّا هو فمن إعجابِ المتفرجين
يجمعُ المرارةَ، بأيادٍ كثيرةٍ تلوح بالفرشات
بحرفيين أعمتهم الأزاميلُ والزنجفر1
لقد عاشوا هنا ـــــ
المعاناةُ تبني بالوحدةَ
سراباً من الخيبات
تاريخُه كأصداءٍ تتردَّد في أعماقِ الأزقة
يتدفقُ نهرُه هادئاً
لكنَّه لا يُبلِّلُ إلَّا حوافرَ أحصنةِ الغزاة.
الأصواتُ الساكنةُ المتأرجحة،
والأعرافُ القديمةُ المضجرة
تبدو سدَّاً واهياً لا يكفُّ عن التداعي بفعل التيارات العنيفة.
الابتذالُ كافٍ لإهانته، مثل مجارٍ تطفحُ من الأزقةِ الخلفية
مثل الفقرِ الذي يتفشى كالجَرَبِ في العشوائيات
يكفي الجنونُ لتدميره، بصراخٍ وبكاءٍ مختلطٍ بتطايرِ الفضلات
السكانُ المحليون، منغمسون في ملذاتهم
في أفضلِ الأحوال، مشاهدُ يوميةٌ من رواياتِ أسرَتَي مينغ وشينغ المزينةِ بالرسومات
سطحيةٌ، ولا تواكبُ زمنَنا.
لا سيما حين يتعطَّشُ الشُّبَّانُ إلى الدماءِ المتوحشة.
لا شيءَ غيرَ المطرِ الأسودِ هنا
يهطلُ على أسطحِ البيوتِ الواطئةِ في المدينةِ القديمة
أحياناً يتحوَّلُ إلى ضبابٍ، وأحياناً
إلى فيلمٍ فونوغرافيٍّ باهتٍ لمنتصفِ الليل.
الطبيعةُ المدهشةُ معزولةٌ عن هنا
عدا ضريحِ "خي لو2" الغارقِ في البحيرةِ العميقة
عدا المعابدِ والبركِ والحدائقِ المشذَّبةِ بإفراط.
أسفلَ السلالمِ الحجريةِ المُقفرة
دُفِنَ سخطُ المنكسرين، انطلقوا على الحميرِ في رحلةٍ طويلة
راغبين في امتلاكِ العالم، لكنَّهم استسلموا في النهاية
إلى أحجارِ بحيرةِ تاي.
أحفادُهم أكثرُ فطنة، وأكثرُ جُبناً
رؤوسهم منكمشةٌ في ياقاتِ ملابسهم
كأنَّهم يَتَوقُّون ضرباتٍ خفيةٍ في الهواء.
الزمنُ يبتلعُ الكلسَ ببطء
يُعرَضُ فيلمٌ صامتٌ بلا نصوصٍ مُدمجة
حين تتجوَّلُ المرأةُ التي تغسل الحرير بقبقابِها على قمةِ الجبل
آنَ خسوفِ القمر، تبكي بصمتٍ، وتتحوَّلُ مجدداً
إلى سحابةٍ سوداءَ ملطخةٍ بالدم
تعرفُ أنَّها ستهبطُ إلى الجحيم
لأنَّ كلَّ غروبٍ يهتزُّ أمامَ الجمال
من الصعبِ أن ينقذَ هذه المدينة
من ليلِها الشبيه بقِدْرٍ متسخة. يزمجرُ القطارُ
مخترقاً الصيفَ الحارقَ على رصيفِ المحطة.
لكن لا يمكن لأحدٍ أن يتكهنَ بعمقِ الظلام
إلَّا النساءَ اللواتي يقعن في الحب بجنون
ويمزِّقن الحياةَ إلى خيوطٍ رفيعة
وينسجن على الأغصانِ العاريةِ عصافيرَ حمراء
شَعرهنَّ كالنيران، نظراتهنَّ كالصواعق
أجنحتهنَّ تضربُ الإفريزَ بقوةٍ كأنَّها المدُّ والجزر
فتظهرُ من الرمادِ الذي تفركُه أصابعهن
خرزاتٌ3 ملونةٌ كقوسِ قزح.
لكنَّ القليلَ سيقعُ في حُبِّ نساءٍ مثلهن
فحُبُّ التدميرِ أعظمُ من حُبِّ العزاءِ الذي يجلبُه المطرُ الخفيف،
في التنهيدةِ الطويلةِ، في الدموعِ، وفي النسيانِ الذي يتبعُه.
الغبارُ يتدحرج
فيغوصُ بيضُ دودِ القزِّ شِبْهِ الشفافِ أعمقَ على الورق.
لكنَّ الحُبَّ الأول، الضائع
مُوارَى في عمقٍ أبعد
أسفلَ الأنقاضِ المحترقة
تنهضُ مدينةٌ خالدةٌ
كعمود اللؤلؤِ في المعبد البوذي
كلُّ طبقةٍ صلبةٍ كصَدَفِ المَحار.
في القصرِ المهجورِ
ثَمَّةَ من يرسمُ مراراً زورقاً يبحرُ في ليلةٍ هادئة
ببطءٍ، وبصبرٍ، يُخبئ توقيعَه
في تموجاتٍ تشبه طيَّاتِ الثياب
كما لو أنَّه يتأمَّلُ أبديةً بلا مرفأ.

ديوان “متحف الغبار”

القطارُ الليلي

رصيفُ المحطةِ ينجرفُ بعيداً في التثاؤب
البيوتُ المبعثرةُ تتراجعُ في الضبابِ الرماديِّ البُنِّيِّ على السَّهل
قَلِقٌ ومنهكٌ
أقرأُ باول تسيلان شاردَ الذِّهن:
فوغا الموت. ليلةُ شتاء، بابٌ مصبوبٌ بالرصاص.
ثمة آلامٌ مُحالٌ تغييرُها
مثل مسمارٍ صدئٍ معقوفٍ
يواجه الطَّرقةَ الأخيرة.
كان يأسُه رافضاً ليأسي.
نظرتُ خارجَ النافذة. في العتمةِ ترتجفُ وحوشٌ مجهولة
تظهرُ، ثم تختفي.
تُحدِّدُ ألسنةُ النيرانِ معالمَ مَحجرِ الجير
فمُ المَحجرِ المهجورِ مفتوحٌ
كفمٍ في لوحةِ مونك. صرخةٌ، صرخة.
انزلقَ نجمٌ وحيدٌ من السماء
وتحوَّل سريعاً إلى لوحةِ إعلاناتٍ مضيئةٍ لمكتبِ المبيعات.
حلمٌ صغيرٌ ومُرٌّ لجيلٍ كاملٍ
يتلاطمُ، كقفزةِ تسيلان إلى نهرِ السين
وكان الحلمُ قد فقدَ قيمتَه.
أمامي يستيقظُ طفلٌ في حضنِ أمه
متجهماً، يركلُ بعشوائية.
مسافرٌ جديدٌ يحملُ صندوقاً كرتونياً
ويتدافعُ مُنهكاً بين الناس.
يرتجُّ القطارُ، وينطلقُ مجدداً.
ألقى الليلُ ضوءَه الشاحبَ على بركةِ الأسماكِ المليئةِ بالفقاعات.
مرَّ ابنُ عُرسٍ باحثاً عن طعامِه بهدوءٍ عبرَ تراخي الصقيعِ في الحقل.
دون سببٍ، تذكرتك
كلُّ ما تراكمَ، تجلَّى فجأة
بين زفافٍ ثَمِلٍ
ومعطفٍ أسودَ للحِداد
قبلَ تلاشي الفرحِ كثلجٍ يذوبُ من أسطحِ البيوت
انطلقتُ كالمجنونِ في المدينة
باحثاً عن أيامِ الصداقةِ والحب
وكلُّ ما تعلَّمتُه من التجاعيدِ، والشِّعر وارتجافِ القلب
لا يكفي لكشفِ غموضِ القَدَر.
المستقبلُ، ظلَّ زمناً طويلاً رهينةَ الأمل
وفي هذه اللحظةِ، عاد أخيراً إلى الليل
إلى مصدرِ الصمت
في شقشقةِ الفجرِ، تقتربُ المدينةُ ببطءٍ في الضباب
مكعبٌ ضخمٌ، أعمى الإيمان
يشبه تابوتاً في العصورِ القديمة.
نظرةٌ قاتمةٌ: فجأةً تضيقُ الرؤية.
يعبرُ القطارُ جسرَ نهرِ اليانغستي
يتقدَّمُ على مَهَلٍ بين جدارين رقيقين من الطُّوب.

ليو لي غان: شاعر معاصر من الصين، ولد العام 1967 في مدينة سوجو بمقاطعة جيانغسو، وتخرّج في قسم اللغة الصينية بجامعة نانجينغ، ويقيم حالياً في نانجينغ. صدر له ديوان “التحليق المنخفض” و”متحف الغبار”، ومجموعة قصصية بعنوان “كلُّ مساء، كلُّ صباح”.

  1. معدن طبيعي لونه أحمر قاني وهو المصدر الرئيسي لاستخراج الزئبق. ↩︎
  2. الملك الرابع والعشرون لمملكة وو في فترة الربيع والخريف. ↩︎
  3. تشير إلى بقايا رفات الرهبان البوذيين، أو الخرزات البلورية أو اللؤلؤية التي تظهر بين رماد الموتى من الرهبان أو المعلمين البوذيين. ↩︎

رد واحد على “متحف الغبار: لا شيء غير الماضي هنا”

  1. الصورة الرمزية لـ Maryam H
    Maryam H

    ✨️

اترك رداً على Maryam H إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *