
تُفتح رسالة، أمضغُ ظلاماً
قصائد للشاعر: جانغ تزاو
يقول الشاعر “باي هوا” متحدِّثاً عن الشاعر جانغ تزاو: في ليلةٍ من أواخر صيف عام 1984 أو بدايات خريفه، على جبل “غي لي”، ربَّت بخفّةٍ على أوراق شجرةٍ صغيرة، وقال لي: انظرْ، لقد انقضت هذه اللحظة، وإذا ربتُّ مجدداً، نكونُ قد دخلنا زمناً آخر”.
ويُستفادُ من هذه القصة، أنَّ الزَّمن ليس نفسَه في كلِّ لحظةٍ تمرُّ علينا، ويرى جانغ تزاو صاحب القصة، أنَّ “على الشِّعرِ أن يُغيَّرَ الذاتَ والحياة” وماذا تكون الذاتُ والحياةُ غيرَ التقاطعِ مع الزمنِ الذي يغيرهما ويتغيَّرَ معهما، والشِّعرُ كذلك، حسبما يقول تزاو “زجاجةٌ أصليةٌ تحفظُ المعنى وسطَ العالمِ المادي”.
جانغ تزاو، شاعر صيني معاصر وباحث ومترجم، ومن أهم شعراء جيله. ولد عام 1962، تخرّج في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة هونان للمعلمين، ونال درجة الماجستير من معهد سيتشوان للغات الأجنبية. وفي عام 1986 سافر إلى ألمانيا للدراسة، حيث حصل على الدكتوراه في الآداب والفلسفة من جامعة ترير. وتوفي في الثامن من مارس العام 2010 عن عمر يناهز 48 عاماً، في مستشفى جامعة توبنغن بألمانيا، بعد صراع مع سرطان الرئة.
وبالعودة إلى “زجاجةِ الشِّعر” يجيب جانغ تزاو على سؤالٍ حول “كيف يرى صورةَ الشِّعرِ، في عصرِ التضخُّمِ المادي الحالي” خاصةً، بعد تنوّع المواد، وبعد أن أصبحَ للزجاجةِ مئاتُ الأشكال، فانهارت القدرةُ على تكوين صورةٍ ذهنيةٍ محددةٍ عنها.. أي عن الشِّعر.
“إنَّ على الشِّعرِ اختراع زجاجته الأصلية”، يقول جانغ تزاو، ويضيف، ثمةَ جبلٌ على أرضٍ قاحلة، حيث جُرِّدَ كلُّ شيءٍ من طبيعته بفعل الأفكارِ الصناعيةِ والاستعمارية، وفي هذا المشهدِ الطبيعي ظهرت فكرةُ التكرار. ولكن مثلما قال الشاعر ولاس ستيفنز، إذا أراد أحدهم أن يحوِّلَ الشِّعرَ إلى زجاجة – بالطبع أتحدَّثُ عن جَرَّة يونانيةٍ قديمة – وأن يضعَها على قمةِ جبلٍ مقفر، ستندفعُ الأرضُ القاحلةُ كلُّها نحو الجَرَّة، وتكتسبُ نظاماً وحُكماً جديدين. وفي الحقيقةِ الشِّعرُ هو تلك الزجاجةُ التي تحمي وعينا حقَّاً، إذ نرتبطُ بها بعلاقةٍ لا تقومُ على الاستهلاك، بل هي علاقةٌ وجوديةٌ داخلية، لأنَّنا بحاجةٍ إلى الماء. ومن دون هذه الجَرَّة، لن تندفع الأرض القاحلة نحونا؛ وستبقى كذلك أرضاً قاحلة. لكنَّ الجَرَّة، أو الزجاجةَ التي تحدَّثنا للتو عنها، ليست نسخةً مكررة، بل هي الأصلُ الوحيدُ بين كلِّ الزجاجات، وهي السيدُ الذي يمنحُ النظام”.
وقد ترجمت هذه القصائد، لعلَّها تساعدُنا على إلقاءِ نظرةٍ من خلال “زجاجةِ جانغ تزاو” على الشِّعر، وعلى الزمنِ والحياة.
مرثيَّة
تُفتَحُ رسالةٌ فيقولُ أحدُهم
انتشرت برودة
تُفتَحُ رسالةٌ أخرى
فإذ بها خاويةٌ، خاوية
لكنَّها أثقلُ من العالم
تُفتَحُ رسالةٌ
يقولُ أحدُهم إنَّه يغنِّي من علياء
ويقولُ آخرُ إنَّه مات
من زخمِ الحياةِ الكامن في حبَّةِ البطاطس
تنمو أَكُفٌّ صغيرة
تُفتَحُ رسالةٌ أخرى
تنامُ نوماً عميقاً كبرتقالة
لكنَّ أحدَهم يقولُ إنَّه بعد كشفِ عُريَك
لمسَ ذاتاً أخرى لك
تُفتَحُ رسالةٌ أخرى
الجميعُ يضحك
والأشياءُ كلُّها تقهقِهُ حولَهم
تُفتَحُ رسالةٌ
تُعربدُ السُّحبُ والمياهُ حُرَّةٌ في الخارج
تُفتَحُ رسالةٌ
أمضغُ ظلاماً
تُفتَحُ رسالةٌ أخرى
يسطعُ القمر
وبعدَ أن تُفتَحُ رسالةٌ أخرى تصرخُ
الموت حقيقة!

استعارةُ الموت
يتكهَّنُ الموتُ بعمرِك
يظنُّ أنَّك في هذه اللحظةِ لا تزالُ شاباً
يقفُ في نهايةِ الزاوية
حيث هناك ظَهرُ طفلٍ
الأزهارُ، نزلاتُ البردِ والغسق
يقولُ الموتُ لدينا الوقت
أيادٍ صغيرةٌ وديعة
تطلبُ منكَ شيئاً
فتمنحُه كأنَّكَ تمنحُ قيلولة
مثل أسماكٍ حُرَّةٍ تسبحُ في الظِّل
يتكهَّنُ الموتُ بعمرِك
وتُخمِّنُ أنتَ صفاتِ الطفل
والطفلُ يُخمِّنُ ثمارَ اليوسفي
ما تأكلُه يغذِّي جسدَك
ما لا تأكلُه، يجلبُ الحظ
يجلسُ الطفل أمامَ الطفل
الموتُ يستلقي أمامَ الطفل
الطفلُ يقفُ أمامَك
يتكهَّنُ الموتُ بعمرِك
يظنُّ أنَّك في هذه اللحظةِ لا تزالُ شاباً
الطفلُ يُخمِّنُ ظَهْرَك
مُحدِّقاً بعنين شهيتين.

مقاعدُ تجلسُ في الشتاء
تجلسُ مقاعدُ في الشتاء، ثلاثةُ مقاعدَ، والبرودةُ كالعضلات، مُصطَفَّةً تخشى المنطقَ، ولا يجرؤ ثلاثةٌ من الملائكة على الجلوسِ عليها وانتظارِ الحلاقِ الذي يتزلَّجُ على الجليد، رغمَ أنَّ أمامَها مرآةً كبيرة والعقعقُ يجمعُ عملاتٍ نقديةً صغيرة ينسجُ نولُ الرياحِ المرئياتِ حولَه. السيدُ عدمٌ، بعيداً يقفُ في الضاحية، يزفرُ أنفاساً حارَّة يَعُدُّ بملامحِه الحادةِ المقاعد: لا حاجةَ لأن تلمسَها حتى تتحرَّكَ من مكانِها المقعدُ في المنتصف، إذا سحبتَ المقعدَ عن يسارِه إلى أقصى اليمين، بدونِ توقُّف.... اغتيالٌ كهذا، يحدثُ في قلبِ الكون. وفجأةً المقعدُ الرابع، من بين الثلاثة، الذي لا مبررَ لوجودِه الفريد جلسَ أيضاً في الشتاء. مثلَ شتاءِ ذلك العام... ... أحبُّك!

ستَّةُ أشخاص
يحجبُ الضبابُ الأرضَ خارجَ النافذة، مُعتماً وبارداً
تعالْ
هذه نارُكَ، تتراقصُ حولَ كينونتِك
تعلَمُ أنَّ النارَ ليست حارقة، وأنها بلا لهبٍ، بل مجردُ
مَنفَذٍ مضيءٍ، وأعلمُ أنَّكَ، وقد تحوَّلتَ إلى خيطِ دخانٍ أزرق
تحنو عليَّ، وتغرقُ إلى الأبدِ، في فجرٍ زائفٍ، لا نهايةَ له.

اترك تعليقاً