
حين تُرفع الحياة على كف الموت
تشين سي آن
الخيط
اكتشفت قبل ثلاثة أشهر طرف خيط يتدلَّى من شامة كامنة تحت إبطها الأيمن منذ ثلاثين عاماً، كانت الشامة هناك منذ أن بدأت تعي الأشياء، حتى إنها في صغرها منحتها اسماً، وكانت تلهو معها دائماً. وشعرت أن علاقتها مع شامتها صحية للغاية مقارنة بـ”الصديق الخفي” الذي لا يعيش إلَّا في مخيلة الأطفال الآخرين. ألفت تلك الشامة أكثر ممَّا ألفت عشاقها الذين كانوا يتبدلون من حين إلى آخر، وأكثر ممَّا تألف أيَّاً من أصدقائها البشر. ولكن لم ينبثق منها طرف خيط من قبل.
انبثق الخيط من منتصف الشامة أبيضَ رفيعاً، بطول نصف سنتيمتر، تستحيل رؤيته من دون تمعن. ورغم أنَّه كان رفيعاً، فإنَّ ملمسه صلب ويوخز اليد أيضاً. كيف انبثق طرف خيط فجأة وبلا سبب؟ ما الذي أرادت صديقتها الشامة أن تبوح لها به؟ وما الذي كان مربوطاً بطرفه الآخر؟
تحمَّلت أسبوعاً كاملاً ثم نفد صبرها. أغلقت على نفسها الغرفة (كما كانت في صغرها تحبس نفسها في غرفتها وتلهو مع الشامة) وسحبت الخيط. وضعته بين سبَّابتها وإبهامها بحذر، وبدأت تجذبه. كانت متيناً على نحو غير مألوف وبدا أنَّه لن ينقطع. جذبت ما يزيد على عشر سنتيمترات، ومع ذلك لم تبدُ له نهاية. وكلَّما طال ما تجذبه من الخيط يتبدَّل لونه: من الأبيض إلى الأحمر، ثم إلى الأبيض اللبني، ثم إلى الأبيض في دورات لا تتوقف.
كلَّما جذبت من الخيط، شعرت بألم خفيف متقلِّب في ذراعها، كأنَّه تشنج ينزع اللحم عن العظم. وأثار ذلك الألم الذي يتردد مع كل حركة في نفسها نشوة غريبة. لم تستطع التوقُّف. ظلت تجذب، وتجذب، وتجذب. وخلال ليلة واحدة، جذبت اللحم والشحم الممتدين من إبطها الأيمن إلى كتفها الأيمن والذي استحال خيوطاً. تكومت تحت قدميها على الأرض كتلة كبيرة متدرجةَ الألوان، وكانت هذه الخيوط متينة حقَّاً ويسهل عقدها. ماذا ستفعل بها؟ ساورها قلق، فخياطة الملابس منها عمل شاق للغاية. لكن ما الذي يمكن أن تصنع بها؟ قررت ألَّا تتعجل، وأن تفكر في الأمر برويَّة.
لم يكن التنكر أمراً صعباً. فبالنسبة إلى امرأة مثلها، كاد التنكر أن يصبح غريزة فطرية، لا تحتاج إلى إتقانِه؛ ملابس فضفاضة، حشوات من الإسفنج، قفازات، القليل من الماكياج، تفعل ذلك بعفوية وبلا عناء. كانت تذهب إلى عملها كل يوم كما اعتادت وتتبادل الأحاديث والضحكات مع زملائها، وبعد انتهاء ساعات العمل، تذهب مع أصدقائها إلى المطعم أو الحانة وتأكل وتشرب بسعادة. ولم يشعر أحد بشيء غير مألوف. وعلى كل حال، لقد صادقت شامتها لستِّ سنوات، لذا فما هذا إلَّا أمر هيِّن.
الشيء الوحيد الذي أزعجها قليلاً، أنَّها باتت مضطرة أينما ذهبت إلى حمل حقيبة يد ضخمة، تبدو منتفخة دائماً على نحو غير أنيق ولا يتناسب مع قوامها. وقالت لها صديقتها المقربة مرَّات عدَّة، لا أحد يحشو حقيبته حتى تنتفخ هكذا، “لستِ ريفية تلهث لتلحق بالقطار”، وكانت تكتفي كل مرة بابتسامة تمرر بها الأمر. كانت حقيبتها محشوة بالخيوط التي انتزعتها من جسدها، فكيف تتركها لتنجرَّ على الأرض بدلاً من حملِها معها؟ منظر غير لائق.
أحياناً بعد أن تهدأ، تفكر كيف ستكبح رغبتها في جذب هذا الخيط؟ تلك الرغبة التي تتجاوز رغبتها في الإنجاب، بل تتجاوز أي رغبة بوسعها التفكير فيها. أَلَن تكف عن جذب الخيط إلَّا بعد أن تصبح هيكلاً عظمياً؟ ماذا حدث لها؟ كيف للمرء أَلَّا يستطيع كبح نفسه. كانت تفكر في هذه الأسئلة حتى يوجعها رأسها. ثم بحركة عكسية، تمد يدها اليسرى إلى إبطها وتجذب الخيط، فتختفي كل الأسئلة. وكلَّما أُفرِغَ جسدها شيئاً فشيئاً، تلاشى أيضاً التردد والحيرة. يا له من شعور مريح.
ضمر جسدها يوماً بعد يوم، وتغيرت الحقيبة التي كانت تحملها كل يوم من حقيبة يد ضخمة، إلى حقيبة ظهر عريضة أقل أناقة، ثم إلى حقيبة تسلق الجبال. ومهما أكلت، لم يكتسب جسدها وزناً بالسرعة التي كانت تجذب بها الخيوط. وحين تستلقي على فراشها الذي مهما كان ناعماً، تشعرُ به قاسياً وبعظامها تنغرس في جلدها، وانتابتها بين حين وآخر نوبات خوف: أَتُراها كانت تريد أن ترى ما الذي سيحدث إذا استنزفت نفسها تماماً؟
الآن لم يبقَ في جسدها إلَّا وجهها. كانت تخرج كل يوم بكامل عُدتها: معطف طويل، وقميص بأكمام طويلة، وبلوزة عالية الرقبة، وقفازان بيضاوان، ووشاح عريض تلفه حتى ذقنها، فتلفت الأنظار أينما ذهبت. كانت نساء المكتب الثرثارات والرجال ذوو الألسنة السليطة يتجمعون ويختلقون شتَّى الحكايات عنها، فحسمت أمرها وتقدمت إلى المدير بطلب إجازة طويلة. وافق مباشرة كأنَّ حِملاً انزاح عن كاهله، ولم يعلق إلَّا بقوله إن ذلك سيترتب عليه خصم من مكافأة نهاية العام. ابتسمت ابتسامة خفيفة، لكنَّها لم تستطع أن تتظاهر بأنَّها تكترث للأمر.
ما إن عادت إلى البيت، وألقت حقيبة تسلق الجبال الثقيلة كأنَّها محشوة بالرصاص، حتى وقفت أمام مرآة الملابس وبدأت تجذب الخيط بنشوة عارمة. مضى وقت طويل منذ أن جذبت الخيط بهذه المتعة، وخلال تلك الفترة التي عجزت فيها عن حسم أمرها، اضطرت إلى أن تخفف من وتيرة جذب الخيط وتكرارها. نظرت إلى صورتها في المرآة، ورأت وجهها يتصدع تدريجياً ويتداعى وتنخسف ملامحه تدريجياً كأن زلزالاً بالغ البطء يفتك به.
أخيراً نفد الخيط.
جذبت الخيط مراراً، لكن لم يخرج من طرفه ولو جزء ضئيل. تنفست عميقاً، وأمسكت الخيط بكلتا يديها، واستجمعت آخر ذرة من القوة في جسدها، وجذبته بعنف. وبفعل قوة الاندفاع وافتقارها إلى عضلات تمتص الصدمة، سقطت إلى الخلف فوق أكوام الخيوط التي تغطِّي الأرض. جلست بمشقة، ناظرةً إلى آخر جزء من الخيط الذي قبضت عليه بشدة.

حين تُرفَعُ الحياةُ على كفِّ الموت
يموت سكان أقاصي تلك الأرض القاحلة ثلاث مرات في حياتهم.
يحدث الموت الأول في يوم ميلادهم. بعد أن يعلن الرضيع المُزْرَقُّ بصيحته القوية مجيئه إلى الدنيا حاملاً رائحة الموت، ينقطع صوته فجأة ويخيم على غرفة الولادة سكون مميت. تنقطع أنفاسه، يتوقف قلبه عن الخفقان، ويتحول لون بشرته شيئاً فشيئاً إلى اللون الأسود، كأنَّها لوحة زيتية تجف بسرعة خاطفة.
لا يحاول الأطباء وسط الصراخ والزعيق إجراء إنعاش قلبي رئوي لإنقاذ حياته، بل يلفُّون الرضيع في ملاءة نظيفة، ويناولوه لوالديه، فيستفيق في أحضانهما الدافئة مشوَّشاً قليلاً، ويتسرب إلى بشرته السوداء لون وردي كأنه يمتزج بألوان أخرى، وفي لحظة خاطفة أشبه بومضة تعود أنفاسه إلى جسده الواهن وتدب فيه الحياة من جديد. يصبح الموت في هذه اللحظة صديقهم الحميم، فهو يحوم حولهم منذ مولدهم، ويرافقهم زمنا أطول ممَّا يرافقهم آباؤهم وأقاربهم.
يأتي الموت الثاني في منتصف حياتهم. وهذا المنتصف لا يعني رقماً تقريبياً، إنَّما هو نصف مجموع الزمن الذي يُسمى “حياة” في عمرهم كله، لا يزيد ثانية ولا ينقص ثانية. وبالنسبة إلى سكان هذه المنطقة، ليس الموت شيئاً يبعث على الرعب، فهم يألفوه كأصدقائهم، غير أنَّه إن كان ثمة ميتة من بين الميتات الثلاث تبعت على الأسى، فهي الموت الثاني. لأنَّهم في تلك اللحظة سيعرفون بجلاء كم تبقى لهم من وقت في هذا العالم.
كان الموت الثاني يأتي بلا سابق إنذار، وقد يدركهم في خضم أي عمل يقومون به. ربما يأتي وهم واقفون على منصة الرقص في حفل الزفاف يتلقون تهاني الجميع، ربما وهم يغرسون شتلات الأرز في الحقول، وربما وهم مستلقون بين ذراعي الحبيب، وربما وهم يحتضنون رضيعاً يتحرر تدريجياً من براثن الموت.
كما الحال في الموت الأول الذي يصادفهم عند ولادتهم، فلن يذرف أحد، حتى هم أنفسهم، الدموع أو يعتصره الألم عند اختبار الموت الثاني. أقصى ما سيشعرون به هو شيء من الحزن. سينهضون سريعاً من الموضع الذي سقطوا فيه لحظة موتهم، ويبذلون قصارى جهدهم ليعيشوا بحق الوقت المتبقي لهم. كان بعضهم، ما إن يفيق من الموت الثاني، حتى يتفقد عقارب الساعة، حرصاً على أن يتابع بدقة انقضاء كل لحظة من عمره المتبقي. وكان منهم من لا يكترث بالوقت، بل يتعمد أن ينسى لحظة موته الثاني، ليواصل الاستمتاع بمستقبل لا يزال مجهولاً.
أحياناً، كان رضيعٌ يستقبل موته الأول عند الفجر، ثم يحل موته الثاني عند الظهيرة، فيقضي الناس بقية النهار في إعداد جنازته وقرابين تأبينه، لأنَّه سيستقبل موته الثالث مع حلول الليل. والموت الثالث، هو الموت الحقيقي. الموت الذي لا رجعة بعده. لن تعود الأنفاس كوميض خاطف، ولن يعاود الدم تدفقه، ولن يتسلل ذلك اللون الوردي، كأنه طلاء، ليمتزج بالبشرة السوداء.
لا يحزن الناس هنا على الموت المبكر، ولا يغتبطون بطول العمر. إذا كان في البيت ثلاثة أشخاص، توضع على مائدة الطعام أربعة أطقم من الصحون وأعواد الطعام، إذ يُترك الطقم الرابع للموت. كان الموت فرداً من أفراد الأسرة؛ فلا يُحتفَلُ بقدومه، ولا يُحزَنُ على رحيله.
من بين الميتات الثلاث، كان الموت الأول، ذاك الذي يرافق الميلاد، هو الموت الذي يبعث في نفوس الجميع قدراً من البهجة، لأنهم يوقنون بأنَّ تلك هي اللحظة التي تُرفَعُ فيها الحياةُ على كفِّ الموت.

تشين سي آن، كاتبة وكاتبة مسرحية ومخرجة ومترجمة، ولدت في أبريل العام 1986. وهي المؤسسة والمديرة الفنية لمهرجان “الضجيج” للقراءة المسرحية. صدرت لها مجموعات قصصية منها “شعلة في الجسد” و”حياة مزيفة”، و”من الآن فصاعداً، أنا أسأل وأنت تجيب”. وصدرت لها ترجمات: “الشعر والأغاني: مختارات من قصائد باتي سميث 1970 – 2015″ و”الخزي: مجموعة مسرحيات لأياد أختار”.
اترك تعليقاً